Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: النُّفُوسُ والأرْواحُ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَحُصُولُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ لِبَعْضِها دُونَ البَعْضِ تَشْرِيفٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ وتَفَضُّلٌ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ بِجَواهِرِها وماهِيّاتِها، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ طاهِرَةٌ مِن عَلائِقِ الجِسْمانِيّاتِ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ مُسْتَعْلِيَةٌ مُنَوَّرَةٌ. وبَعْضُها خَسِيسَةٌ كَدِرَةٌ مُحِبَّةٌ لِلْجِسْمانِيّاتِ، فالنَّفْسُ ما لَمْ تَكُنْ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، لَمْ تَصْلُحْ لِقَبُولِ الوَحْيِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ إنَّ القِسْمَ الأوَّلَ يَقَعُ الِاخْتِلافُ فِيهِ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ إلى مَراتِبَ لا نِهايَةَ لَها، فَلا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ الرُّسُلِ مُخْتَلِفَةً، فَمِنهم مَن حَصَلَتْ لَهُ المُعْجِزاتُ القَوِيَّةُ والتَّبَعُ القَلِيلُ، ومِنهم مَن حَصَلَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ واحِدَةٌ أوِ اثْنَتانِ وحَصَلَ لَهُ تَبَعٌ عَظِيمٌ، ومِنهم مَن كانَ الرِّفْقُ غالِبًا عَلَيْهِ، ومِنهم مَن كانَ التَّشْدِيدُ غالِبًا عَلَيْهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ البَحْثِ فِيهِ اسْتِقْصاءٌ، ولا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِهَذا المَوْضِعِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى دَقِيقَةٍ أُخْرى. وهي: أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في حُصُولِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ البَراءَةُ عَنِ المَكْرِ والغَدْرِ، والغِلِّ والحَسَدِ.