Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:122
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِتِلْكَ الجَلايا القُدُسِيَّةِ ناظِرًا إلَيْها، وعِنْدَ هَذا تَتِمُّ دَرَجاتُ سِعاداتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا الحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدادِ القائِمِ بِجَوْهَرِ الرُّوحِ، والنُّورُ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ بِهِ. فَإنَّهُ لا بُدَّ في الإبْصارِ مِن أمْرَيْنِ: مِن سَلامَةِ الحاسَّةِ، ومِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَكَذَلِكَ البَصِيرَةُ لا بُدَّ فِيها مِن أمْرَيْنِ: مِن سَلامَةِ حاسَّةِ العَقْلِ، ومِن طُلُوعِ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهَذا النُّورِ، القُرْآنُ. ومِنهم مَن قالَ: هو نُورُ الدِّينِ، ومِنهم مَن قالَ: هو نُورُ الحِكْمَةِ، والأقْوالُ بِأسْرِها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا مَثَلُ الكافِرِ فَهو كَمَن ﴿فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ الشَّيْءَ إذا دامَ حُصُولُهُ مَعَ الشَّيْءِ صارَ كالأمْرِ الذّاتِيِّ والصِّفَةِ اللّازِمَةِ لَهُ. فَإذا دامَ كَوْنُ الكافِرِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ صارَتْ تِلْكَ الظُّلُماتُ كالصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ بِعُسْرِ إزالَتِها عَنْهُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذِهِ الحالَةِ. وأيْضًا الواقِفُ في الظُّلُماتِ يَبْقى مُتَحَيِّرًا لا يَهْتَدِي إلى وجْهِ صَلاحِهِ فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الخَوْفُ والفَزَعُ، والعَجْزُ والوُقُوفُ.