Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:122
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَدْ وصَفَ الكُفّارَ بِأنَّهم أمْواتٌ في قَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] وأيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] فَلَمّا جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا والكافِرُ مَيِّتًا، جُعِلَ الهُدى حَياةً والمُهْتَدِي حَيًّا، وإنَّما جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا لِأنَّهُ جَهْلٌ، والجَهْلُ يُوجِبُ الحَيْرَةَ والوَقْفَةَ، فَهو كالمَوْتِ الَّذِي يُوجِبُ السُّكُونَ، وأيْضًا المَيِّتُ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، والجاهِلُ كَذَلِكَ، والهُدى عِلْمٌ وبَصَرٌ، والعِلْمُ والبَصَرُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرُّشْدِ والفَوْزِ بِالنَّجاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (فَأحْيَيْناهُ) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا النُّورُ مُغايِرًا لِتِلْكَ الحَياةِ والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ لَها أرْبَعُ مَراتِبَ في المَعْرِفَةِ. فَأوَّلُها: كَوْنُها مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ هَذِهِ المَعارِفِ، وذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الأصْلِيُّ يَخْتَلِفُ في الأرْواحِ، فَرُبَّما كانَتِ الرُّوحُ مَوْصُوفَةً بِاسْتِعْدادٍ كامِلٍ قَوِيٍّ شَرِيفٍ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ قَلِيلًا ضَعِيفًا ويَكُونُ صاحِبُهُ بَلِيدًا ناقِصًا.