Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:115
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا عَرَفْتَ انْحِصارَ مَباحِثِ القُرْآنِ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ فَنَقُولُ: قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ إنْ كانَ مِن بابِ الخَبَرِ ”وعَدْلًا“ إنْ كانَ مِن بابِ التَّكالِيفِ، وهَذا ضَبْطٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ”وعَدْلًا“: أنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وثَوابٍ وعِقابٍ فَهو صِدْقٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واقِعًا، وهو بَعْدَ وُقُوعِهِ عَدْلٌ لِأنَّ أفْعالَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الظُّلْمِيَّةِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ كَلِمَةِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أنَّها تامَّةٌ في كَوْنِها مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُلْقُونَ الشُّبَهاتِ في كَوْنِها دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ تِلْكَ الشُّبَهاتِ لا تَأْثِيرَ لَها في هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّبْدِيلَ البَتَّةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ ظاهِرَةٌ باقِيَةٌ جَلِيَّةٌ قَوِيَّةٌ لا تَزُولُ بِسَبَبِ تُرَّهاتِ الكُفّارِ وشُبُهاتِ أُولَئِكَ الجُهّالِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها تَبْقى مَصُونَةً عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .