Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ فَيَجِبُ عَلَيْنا تَفْسِيرُ ألْفاظٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: الوَحْيُ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الإيماءِ والقَوْلِ السَّرِيعِ.
والثّانِي: الزُّخْرُفُ وهو الَّذِي يَكُونُ باطِنُهُ باطِلًا، وظاهِرُهُ مُزَيَّنًا ظاهِرًا، يُقالُ: فُلانٌ يُزَخْرِفُ كَلامَهُ إذا زَيَّنَهُ بِالباطِلِ والكَذِبِ، وكُلُّ شَيْءٍ حَسَنٍ مُمَوَّهٍ فَهو مُزَخْرَفٌ.
واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الكَلامِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْتَقِدْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ كَوْنَهُ مُشْتَمِلًا عَلى خَيْرٍ راجِحٍ ونَفْعٍ زائِدٍ، فَإنَّهُ لا يَرْغَبُ فِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الفاعِلُ المُخْتارُ مُخْتارًا لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْخَيْرِ والنَّفْعِ، ثُمَّ إنْ كانَ هَذا الِاعْتِقادُ مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ، فَهو الحَقُّ والصِّدْقُ والإلْهامُ وإنْ كانَ صادِرًا مِنَ المَلَكِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقَدًا مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ مُزَيَّنًا؛ لِأنَّهُ في اعْتِقادِهِ سَبَبٌ لِلنَّفْعِ الزّائِدِ والصَّلاحِ الرّاجِحِ، ويَكُونُ باطِنُهُ فاسِدًا باطِلًا؛ لِأنَّ هَذا الِاعْتِقادَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْمُعْتَقَدِ فَكانَ مُزَخْرَفًا، فَهَذا تَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ.