Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ قَدِيمَةً لَمْ يُجِزْ أنْ يُقالَ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ: لا يَذْهَبُ زَيْدٌ إلى البَصْرَةِ إلّا أنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ تَعالى، وتَقْرِيرُهُ أنّا إذا قُلْنا: لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ فَهَذا يَقْتَضِي تَعْلِيقَ حُدُوثِ هَذا الجَزاءِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ فَلَوْ كانَتِ المَشِيئَةُ قَدِيمَةً لَكانَ الشَّرْطُ قَدِيمًا، ويَلْزَمُ مِن حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ المَشْرُوطِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الجَزاءِ قَدِيمًا. والحِسُّ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّرْطِ حادِثًا، وإذا كانَ الشَّرْطُ هو المَشِيئَةَ لَزِمَ القَوْلُ بِكَوْنِ المَشِيئَةِ حادِثَةً، هَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ.
والجَوابُ: أنَّ المَشِيئَةَ وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً إلّا أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ
صفحة ١٢٥
وهَذا القَدْرُ يَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ، يَجْهَلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ، أنَّهم جَهِلُوا أنَّهم يَبْقَوْنَ كُفّارًا عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها، والمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وكانَ أكْثَرُهم يَظُنُّونَ ذَلِكَ.