Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى الظّاهِرِ الجَلِيِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ وعَقْلٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا حاجَةَ البَتَّةَ إلى ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُسْتَكْرَهَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ عَلى تَقْلِيبِ الأبْصارِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ هو القَلْبُ، فَإذا حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ إلَيْهِ شاءَ أمْ أبى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوارِفُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ عَنْهُ، فَهو وإنْ كانَ يُبْصِرُهُ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ لا يَصِيرُ ذَلِكَ الإبْصارُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى الفَوائِدِ المَطْلُوبَةِ. وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَلَمّا كانَ المَعْدِنُ هو القَلْبَ، وأمّا السَّمْعُ والبَصَرُ فَهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ، كانا لا مَحالَةَ تابِعَيْنِ لِأحْوالِ القَلْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ القُلُوبِ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ البَصَرِ، وفي الآيَةِ الأُخْرى وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ تَحْصِيلِ الكِنانِ في القَلْبِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّمْعِ، فَهَذا هو الكَلامُ القَوِيُّ العَقْلِيُّ البُرْهانِيُّ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مَعَ ذَلِكَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّكَلُّفاتِ الَّتِي ذَكَرُوها ؟ ولْنَرْجِعْ إلى ما يَلِيقُ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الضَّعِيفَةِ فَنَقُولُ: أمّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَمَدْفُوعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، كانَ هَذا سُوءًا لِلنَّظْمِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ حَيْثُ قَدَّمَ المُؤَخَّرَ، وأخَّرَ المُقَدَّمَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأمّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إنَّما اسْتَحَقَّ الحِرْمانَ مِن تِلْكَ الألْطافِ والفَوائِدِ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى الكُفْرِ، فَهو الَّذِي أوْقَعَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ الحِرْمانِ والخُذْلانِ؛ فَكَيْفَ تَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ .