Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:108
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والرّابِعُ: زَيَّنّاهُ في زَعْمِهِمْ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِهَذا وزَيَّنَّهُ لَنا، هَذا مَجْمُوعُ التَّأْوِيلاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ القاطِعَ دَلَّ عَلى صِحَّةِ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ هَذا النَّصِّ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وبَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الدّاعِيَةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ولا مَعْنى لِتِلْكَ الدّاعِيَةِ إلّا عِلْمُهُ واعْتِقادُهُ أوْ ظَنُّهُ بِاشْتِمالِ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى نَفْعٍ زائِدٍ، ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا مَعْنى لَها إلّا كَوْنُهُ مُعْتَقِدًا لِاشْتِمالِ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى النَّفْعِ الزّائِدِ والمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ، ثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْدُرَ عَنِ العَبْدِ فِعْلٌ، ولا قَوْلٌ ولا حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ، إلّا إذا زَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الفِعْلَ في قَلْبِهِ وضَمِيرِهِ واعْتِقادِهِ، وأيْضًا الإنْسانُ لا يَخْتارُ الكُفْرَ والجَهْلَ ابْتِداءً مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كُفْرًا وجَهْلًا، والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، بَلْ إنَّما يَخْتارُهُ لِاعْتِقادِهِ كَوْنَهُ إيمانًا وعِلْمًا وصِدْقًا وحَقًّا فَلَوْلا سابِقَةُ الجَهْلِ الأوَّلِ لَما اخْتارَ هَذا الجَهْلَ.