Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: في الِاعْتِراضِ أنْ نَقُولَ: هَبْ أنَّ الإدْراكَ بِالبَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ عَنْ كُلِّ الأشْخاصِ، وعَنْ كُلِّ الأحْوالِ، وفي كُلِّ الأوْقاتِ ؟ وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ فَمُعارَضٌ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ عَنْ جَمْعِ القِلَّةِ، مَعَ أنَّها لا تُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ بَلْ نُسَلِّمُ أنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّ نَفْيَ العُمُومِ غَيْرٌ، وعُمُومَ النَّفْيِ غَيْرٌ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يُفِيدُ إلّا نَفْيَ العُمُومِ، وبَيَّنّا أنَّ نَفْيَ العُمُومِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الخُصُوصِ، وهَذا هو الَّذِي قَرَّرْناهُ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - تَمَسَّكَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الرُّؤْيَةِ؛ فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ مُفْرَداتِ اللُّغَةِ إنَّما تُكْتَسَبُ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلِيلِ فَلا يَرْجِعُ فِيهِ إلى التَّقْلِيدِ، وبِالجُمْلَةِ فالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يُفِيدُ نَفْيَ العُمُومِ، وثَبَتَ بِصَرِيحِ العَقْلِ أنَّ نَفْيَ العُمُومِ مُغايِرٌ لِعُمُومِ النَّفْيِ، ومَقْصُودُهم إنَّما يَتِمُّ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ، فَسَقَطَ كَلامُهم.