Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ إدْراكَ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ لَفْظَ الإدْراكِ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ اللُّحُوقِ والوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] أيْ لَمُلْحَقُونَ؛ وقالَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] أيْ لَحِقَهُ، ويُقالُ: أدْرَكَ فُلانٌ فُلانًا، وأدْرَكَ الغُلامُ أيْ بَلَغَ الحُلُمَ، وأدْرَكَتِ الثَّمَرَةُ أيْ نَضِجَتْ؛ فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ هو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرْئِيُّ إذا كانَ لَهُ حَدٌّ ونِهايَةٌ وأدْرَكَهُ البَصَرُ بِجَمِيعِ حُدُودِهِ وجَوانِبِهِ ونِهاياتِهِ؛ صارَ كَأنَّ ذَلِكَ الإبْصارَ أحاطَ بِهِ؛ فَتُسَمّى هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إدْراكًا، أمّا إذا لَمْ يُحِطِ البَصَرُ بِجَوانِبِ المَرْئِيِّ لَمْ تُسَمَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ إدْراكًا؛ فالحاصِلُ أنَّ الرُّؤْيَةَ جِنْسٌ تَحْتَها نَوْعانِ: رُؤْيَةٌ مَعَ الإحاطَةِ، ورُؤْيَةٌ لا مَعَ الإحاطَةِ، والرُّؤْيَةُ مَعَ الإحاطَةِ هي المُسَمّاةُ بِالإدْراكِ فَنَفْيُ الإدْراكِ يُفِيدُ نَفْيَ نَوْعٍ واحِدٍ مِن نَوْعَيِ الرُّؤْيَةِ، ونَفْيُ النَّوْعِ لا يُوجِبُ نَفْيَ الجِنْسِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ الإدْراكِ عَنِ اللَّهِ تَعالى نَفْيُ الرُّؤْيَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ في الِاعْتِراضِ عَلى كَلامِ الخَصْمِ.
صفحة ١٠٥