Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ لَفْظَ ”الأبْصارِ“ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها الألِفُ واللّامُ؛ فَهي تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ جَمِيعُ الأبْصارِ، فَهَذا يُفِيدُ سَلْبَ العُمُومِ، ولا يُفِيدُ عُمُومَ السَّلْبِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تَخْصِيصُ هَذا السَّلْبِ بِالمَجْمُوعِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في بَعْضِ أفْرادِ المَجْمُوعِ، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: إنَّ زَيْدًا ما ضَرَبَهُ كُلُّ النّاسِ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ ضَرَبَهُ بَعْضُهم.
فَإذا قِيلَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما آمَنَ بِهِ كُلُّ النّاسِ؛ أفادَ أنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لا تُدْرِكُهُ جَمِيعُ الأبْصارِ، فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ أنَّهُ تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: هَذا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ؛ فَنَقُولُ: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ، لا يَحْصُلُ الإدْراكُ لِأحَدٍ البَتَّةَ كانَ تَخْصِيصُ هَذا السَّلْبِ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ عَبَثًا، وصَوْنُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنِ العَبَثِ واجِبٌ.