Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:102
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ رِوايَةُ مَذْهَبِ المَجُوسِ في إثْباتِ إلَهَيْنِ لِلْعالَمِ؛ أحَدُهُما يَفْعَلُ اللَّذّاتِ والخَيْراتِ، والآخَرُ يَفْعَلُ الآلامَ والآفاتِ؛ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى إبْطالِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِكُلِّ ما في هَذا العالَمِ مِنَ السِّباعِ والحَشَراتِ والأمْراضِ والآلامِ، فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ أعْمالُ العِبادِ؛ قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ الأرْبَعَةَ تُوجِبُ خُرُوجَ أعْمالِ العِبادِ عَنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
والجَوابُ: أنّا نَقُولُ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ القاطِعُ قَدْ ساعَدَ عَلى صِحَّةِ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلى الدّاعِي، وخالِقُ الدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى، ومَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ، وإذا تَأكَّدَ هَذا الظّاهِرُ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ القاطِعِ زالَتِ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ.