Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:101
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: الوَلَدُ المُعْتادُ إنَّما يَحْدُثُ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، وقَضاءُ الشَّهْوَةِ يُوجِبُ اللَّذَّةَ، واللَّذَّةُ مَطْلُوبَةٌ لِذاتِها، فَلَوْ صَحَّتِ اللَّذَّةُ عَلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّها مَطْلُوبَةٌ لِذاتِها، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا وقْتٌ إلّا وعِلْمُ اللَّهِ بِتَحْصِيلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ يَدْعُوهُ إلى تَحْصِيلِها قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يُحَصِّلَ تِلْكَ اللَّذَّةِ في الأزَلِ، فَلَزِمَ كَوْنُ الوَلَدِ أزَلِيًّا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ مُحالٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مَعَ كَوْنِهِ تَعالى أزَلِيًّا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الوَلَدِ عَلَيْهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى بِناءً عَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ المَعْلُومَيْنِ، فَأمّا إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى بِناءً عَلى احْتِمالٍ ثالِثٍ فَذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ولا مَفْهُومٍ عِنْدِ العَقْلِ، فَكانَ القَوْلُ بِإثْباتِ الوِلادَةِ بِناءً عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ الَّذِي هو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ خَوْضًا في مَحْضِ الجَهالَةِ وأنَّهُ باطِلٌ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامًا يُساوِيهِ في القُوَّةِ والكَمالِ لَعَجَزُوا عَنْهُ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا، وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنَّ هَدانا اللَّهُ.