Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:100
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ المَجُوسَ قالُوا: كُلُّ ما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْراتِ فَهو مِن يَزْدانَ، وجَمِيعُ ما فِيهِ مِنَ الشُّرُورِ فَهو مِن أهْرِمَن، وهو المُسَمّى بِإبْلِيسَ في شَرْعِنا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فالأكْثَرُونَ مِنهم عَلى أنَّ أهْرِمَن مُحْدَثٌ، ولَهم في كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ أقْوالٌ عَجِيبَةٌ، والأقَلُّونَ مِنهم قالُوا: إنَّهُ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ في تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ، فَخَيْراتُ هَذا العالَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وشُرُورُهُ مِن إبْلِيسَ؛ فَهَذا شَرْحُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: القَوْمُ أثْبَتُوا لِلَّهِ شَرِيكًا واحِدًا وهو إبْلِيسُ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ؟
والجَوابُ: أنَّهم يَقُولُونَ: عَسْكَرُ اللَّهِ هُمُ المَلائِكَةُ، وعَسْكَرُ إبْلِيسَ هُمُ الشَّياطِينُ، والمَلائِكَةُ فِيهِمْ كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وهم أرْواحٌ طاهِرَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وهم يُلْهِمُونَ تِلْكَ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالخَيْراتِ والطّاعاتِ. والشَّياطِينُ أيْضًا فِيهِمْ كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي تُلْقِي الوَساوِسَ الخَبِيثَةَ إلى الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، واللَّهُ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ يُحارِبُونَ إبْلِيسَ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ مِنَ الجِنِّ؛ فَهَذا تَفْصِيلُ هَذا القَوْلِ.