Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:99
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والبَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أمْرٌ بِالنَّظَرِ في حالِ الثَّمَرِ في أوَّلِ حُدُوثِها؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويَنْعِهِ﴾ أمْرٌ بِالنَّظَرِ في حالِها عِنْدَ تَمامِها وكَمالِها، وهَذا هو مَوْضِعُ الِاسْتِدْلالِ والحُجَّةِ الَّتِي هي تَمامُ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الثِّمارَ والأزْهارَ تَتَوَلَّدُ في أوَّلِ حُدُوثِها عَلى صِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وعِنْدَ تَمامِها وكَمالِها لا تَبْقى عَلى حالاتِها الأُولى، بَلْ تَنْتَقِلُ إلى أحْوالٍ مُضادَّةٍ لِلْأحْوالِ السّابِقَةِ، مِثْلِ أنَّها كانَتْ مَوْصُوفَةً بِلَوْنِ الخُضْرَةِ فَتَصِيرُ مُلَوَّنَةً بِلَوْنِ السَّوادِ أوْ بِلَوْنِ الحُمْرَةِ، وكانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحُمُوضَةِ فَتَصِيرُ مَوْصُوفَةً بِالحَلاوَةِ، ورُبَّما كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ بارِدَةً بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَتَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ حارَّةً بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَحُصُولُ هَذِهِ التَّبَدُّلاتِ والتَّغَيُّراتِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، وذَلِكَ السَّبَبُ لَيْسَ هو تَأْثِيرَ الطَّبائِعِ والفُصُولِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الأحْوالِ بِأسْرِها إلى جَمِيعِ هَذِهِ الأجْسامِ المُتَبايِنَةِ مُتَساوِيَةٌ مُتَشابِهَةٌ، والنِّسَبُ المُتَشابِهَةُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُخْتَلِفَةِ، ولَمّا بَطُلَ إسْنادُ حُدُوثِ هَذِهِ الحَوادِثِ إلى الطَّبائِعِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ وجَبَ إسْنادُها إلى القادِرِ المُخْتارِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، المُدَبِّرِ لِهَذا العالَمِ عَلى وِفْقِ الرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ، ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى ما في هَذا الوَجْهِ اللَّطِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ القاضِي: المُرادُ لِمَن يَطْلُبُ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ آيَةٌ لِمَن آمَنَ ولِمَن لَمْ يُؤْمِن، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ أنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .