Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:99
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ؛ النَّخْلَ والعِنَبَ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ، وإنَّما قَدَّمَ الزَّرْعَ عَلى الشَّجَرِ لِأنَّ الزَّرْعَ غِذاءٌ، وثِمارُ الأشْجارِ فَواكِهٌ، والغِذاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الفاكِهَةِ، وإنَّما قَدَّمَ النَّخْلَ عَلى سائِرِ الفَواكِهِ؛ لِأنَّ التَّمْرَ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَرَبِ، ولِأنَّ الحُكَماءَ بَيَّنُوا أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَيَوانِ مُشابَهَةً في خَواصَّ كَثِيرَةٍ، بِحَيْثُ لا تُوجَدُ تِلْكَ المُشابَهَةُ في سائِرِ أنْواعِ النَّباتِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ، فَإنَّها خُلِقَتْ مِن بَقِيَّةِ طِينَةِ آدَمَ» وإنَّما ذَكَرَ العِنَبَ عَقِيبَ النَّخْلِ لِأنَّ العِنَبَ أشْرَفُ أنْواعِ الفَواكِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مِن أوَّلِ ما يَظْهَرُ يَصِيرُ مُنْتَفَعًا بِهِ إلى آخِرِ الحالِ، فَأوَّلُ ما يَظْهَرُ عَلى الشَّجَرِ يَظْهَرُ خُيُوطٌ خُضْرٌ دَقِيقَةٌ حامِضَةُ الطَّعْمِ لَذِيذَةُ المَطْعَمِ، وقَدْ يُمْكِنُ اتِّخاذُ الطَّبائِخِ مِنهُ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَظْهَرُ الحِصْرِمُ، وهو طَعامٌ شَرِيفٌ لِلْأصِحّاءِ والمَرْضى، وقَدْ يُتَّخَذُ الحِصْرِمُ أشْرِبَةً لَطِيفَةَ المَذاقِ نافِعَةً لِأصْحابِ الصَّفْراءِ، وقَدْ يُتَّخَذُ الطَّبِيخُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ ألَذُّ الطَّبائِخِ الحامِضَةِ، ثُمَّ إذا تَمَّ العِنَبُ فَهو ألَذُّ الفَواكِهِ وأشْهاها، ويُمْكِنُ ادِّخارُ العِنَبِ المُعَلَّقِ سَنَةً أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، وهو في الحَقِيقَةِ ألَذُّ الفَواكِهِ المُدَّخَرَةِ ثُمَّ يَبْقى مِنهُ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ المُتَناوَلاتِ، وهي الزَّبِيبُ والدِّبْسُ والخَمْرُ والخَلُّ، ومَنافِعُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا في المُجَلَّداتِ، والخَمْرُ وإنْ كانَ الشَّرْعُ قَدْ حَرَّمَها، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِها: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] فَأحْسَنُ ما في العِنَبِ عَجَمُهُ، والأطِبّاءُ يَتَّخِذُونَ مِنهُ جُوارِشَناتٍ عَظِيمَةَ النَّفْعِ لِلْمَعِدَةِ الضَّعِيفَةِ الرَّطْبَةِ، فَثَبَتَ أنَّ العِنَبَ كَأنَّهُ سُلْطانُ الفَواكِهِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو أيْضًا