Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:98
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الخامِسُ لِلْأصَمِّ أيْضًا: المُسْتَقَرُّ مَنِ اسْتَقَرَّ في قَرارِ الدُّنْيا، والمُسْتَوْدَعُ مَن في القُبُورِ حَتّى يُبْعَثَ. وعَنْ قَتادَةَ عَلى العَكْسِ مِنهُ فَقالَ: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا.
القَوْلُ السّادِسُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيِّ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ ذَكَرٌ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ أُنْثى، إلّا أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنِ الذَّكَرِ بِالمُسْتَقَرِّ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، وإنَّما تَسْتَقِرُّ هُناكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأُنْثى بِالمُسْتَوْدَعِ؛ لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهَةٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَبْحَثُ الثّالِثُ: مَقْصُودُ الكَلامِ أنَّ النّاسَ إنَّما تَوَلَّدُوا مِن شَخْصٍ واحِدٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِحَسَبِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ فَنَقُولُ: الأشْخاصُ الإنْسانِيَّةُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، ومُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها حَصَلَ التَّفاوُتُ في المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ، والِاخْتِلافُ في تِلْكَ الصِّفاتِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ ومُؤَثِّرٍ، ولَيْسَ السَّبَبُ هو الجِسْمِيَّةَ ولَوازِمَها، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّفاوُتِ في الصِّفاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ هو الفاعِلَ المُخْتارَ الحَكِيمَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] .
* * *