Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:98
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُسْتَقَرَّ صُلْبُ الأبِ، والمُسْتَوْدَعَ رَحِمُ الأُمِّ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ حَصَلَتْ في صُلْبِ الأبِ لا مِن قِبَلِ الغَيْرِ، وهي حَصَلَتْ في رَحِمِ الأُمِّ بِفِعْلِ الغَيْرِ، فَحُصُولُ تِلْكَ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الرَّجُلِ مُشَبَّهٌ بِالوَدِيعَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ المُسْتَقَرِّ مُتَقَدِّمًا عَلى المُسْتَوْدَعِ، وحُصُولُ النُّطْفَةِ في صُلْبِ الأبِ مُقَدَّمٌ عَلى حُصُولِها في رَحِمِ الأُمِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ ما في أصْلابِ الآباءِ، والمُسْتَوْدَعُ ما في أرْحامِ الأُمَّهاتِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ: المُسْتَقَرُّ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ سَعِيدًا فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ تِلْكَ السَّعادَةُ، وإنْ كانَ شَقِيًّا فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ تِلْكَ الشَّقاوَةُ، ولا تَبْدِيلَ في أحْوالِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ، وأمّا قَبْلَ المَوْتِ فالأحْوالُ مُتَبَدِّلَةٌ. فالكافِرُ قَدْ يَنْقَلِبُ مُؤْمِنًا، والزِّنْدِيقُ قَدْ يَنْقَلِبُ صِدِّيقًا، فَهَذِهِ الأحْوالُ لِكَوْنِها عَلى شَرَفِ الزَّوالِ والفَناءِ، لا يَبْعُدُ تَشْبِيهُها بِالوَدِيعَةِ، الَّتِي تَكُونُ مُشْرِفَةً عَلى الزَّوالِ والذَّهابِ.
صفحة ٨٥
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: إنَّ المُسْتَقَرَّ مَن خُلِقَ مِنَ النَّفْسِ الأُولى، ودَخَلَ الدُّنْيا واسْتَقَرَّ فِيها، والمُسْتَوْدَعَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وسَيُخْلَقُ.