Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ أنَّ الظُّلْمَةَ شَبِيهَةٌ بِالعَدَمِ. بَلِ البُرْهانُ القاطِعُ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَفْهُومٌ عَدَمِيٌّ والنُّورُ مَحْضُ الوُجُودِ. فَإذا أظْلَمَ اللَّيْلُ حَصَلَ الخَوْفُ والفَزَعُ في قَلْبِ الكُلِّ، فاسْتَوْلى النَّوْمُ عَلَيْهِمْ وصارُوا كالأمْواتِ، وسَكَنَتِ المُتَحَرِّكاتُ وتَعَطَّلَتِ التَّأْثِيراتُ، ورُفِعَتِ التَّفْعِيلاتُ، فَإذا وصَلَ نُورُ الصَّباحِ إلى هَذا العالَمِ، فَكَأنَّهُ نَفَخَ في الصُّورِ مادَّةَ الحَياةِ، وقُوَّةَ الإدْراكِ، فَضَعُفَ النَّوْمُ وابْتَدَأتِ اليَقَظَةُ بِالظُّهُورِ. وكُلَّما كانَ نُورُ الصَّباحِ أقْوى وأكْمَلَ كانَ ظُهُورُ قُوَّةِ الحِسِّ والحَرَكَةِ في الحَيَواناتِ أكْمَلَ. ومَعْلُومٌ أنْ أعْظَمَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ، هو قُوَّةُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكَةِ، ولَمّا كانَ النُّورُ هو السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِحُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ كانَ تَأْثِيرُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ النُّورِ مِن أعْظَمِ أقْسامِ النِّعَمِ وأجَلِّ أنْواعِ الفَضْلِ والكَرَمِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَكَوْنُهُ سُبْحانَهُ فالِقًا لِلْإصْباحِ في كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أجَلَّ أقْسامِ الدَّلائِلِ، وفي كَوْنِهِ فَضْلًا ورَحْمَةً وإحْسانًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ أجَلَّ الأقْسامِ وأشْرَفَ الأنْواعِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَقْرِيرِ دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ الحَكَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.