Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:92
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (مُبارَكٌ) قالَ أهْلُ المَعانِي كِتابٌ مُبارَكٌ أيْ كَثِيرٌ خَيْرُهُ، دائِمٌ بَرَكَتُهُ ومَنفَعَتُهُ، يُبَشِّرُ بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، وأقُولُ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، فَأشْرَفُها وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ، ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، وأمّا العُلُومُ العَمَلِيَّةُ، فالمَطْلُوبُ، إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى بِطَهارَةِ الأخْلاقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، ثُمَّ قَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ والمُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ.
يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: وأنا قَدْ نَقَلْتُ أنْواعًا مِنَ العُلُومِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِي بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ مِن أنْواعِ السَّعاداتِ في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ خِدْمَةِ هَذا العِلْمِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالمُرادُ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إمّا عِلْمُ الأُصُولِ، وإمّا عِلْمُ الفُرُوعِ.