Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ التَّوْراةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ: (قُلِ اللَّهُ) والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ﴾ الَّذِي صِفَتُهُ كَذا وكَذا فَقالَ بَعْدَهُ: (قُلِ اللَّهُ) والمَعْنى أنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ والطَّبْعَ المُسْتَقِيمَ يَشْهَدُ بِأنَّ الكِتابَ المَوْصُوفَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُؤَيِّدَ قَوْلَ صاحِبِهِ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ مِثْلِ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا صارَ هَذا المَعْنى ظاهِرًا بِسَبَبِ ظُهُورِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ: قُلِ المُنْزِلُ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وأيْضًا إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي حاوَلَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ يَقُولُ: مَنِ الَّذِي أحْدَثَ الحَياةَ بَعْدَ عَدَمِها، ومَنِ الَّذِي أحْدَثَ العَقْلَ بَعْدَ الجَهالَةِ، ومَنِ الَّذِي أوْدَعَ في الحَدَقَةِ القُوَّةَ الباصِرَةَ، وفي الصِّماخِ القُوَّةَ السّامِعَةَ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ القائِلَ نَفْسَهُ يَقُولُ: (اللَّهُ) والمَقْصُودُ أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ والبَيِّنَةُ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْتَرِفَ بِها، فَسَواءٌ أقَرَّ الخَصْمُ بِهِ أوْ لَمْ يُقِرَّ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ فَكَذا هاهُنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ: