Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: الذَّمُّ لَمْ يَقَعْ عَلى هَذا المَعْنى فَقَطْ، بَلِ المُرادُ أنَّهم لَمّا جَعَلُوهُ قَراطِيسَ، وفَرَّقُوهُ وبَعَّضُوهُ، لا جَرَمَ قَدَرُوا عَلى إبْداءِ البَعْضِ، وإخْفاءِ البَعْضِ، وهو الَّذِي فِيهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
صفحة ٦٥
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ وصَلَ إلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَرَفَهُ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ وحَفِظُوهُ، ومِثْلُ هَذا الكِتابِ لا يُمْكِنُ إدْخالُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ في هَذا الزَّمانِ لَوْ أرادَ إدْخالَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في القُرْآنِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَذا القَوْلُ في التَّوْراةِ.
قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيفِ تَفْسِيرُ آياتِ التَّوْراةِ بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ الفاسِدَةِ كَما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُونَ في زَمانِنا، هَذا بِآياتِ القُرْآنِ.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ حَصَلَ في التَّوْراةِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ، والقَوْمُ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ التَّوْراةِ إلّا تِلْكَ الآياتِ، فَلِمَ قالَ: ويُخْفُونَ كَثِيرًا ؟
قُلْنا: القَوْمُ كَما يُخْفُونَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَذَلِكَ يُخْفُونَ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ، ألا تَرى أنَّهم حاوَلُوا عَلى إخْفاءِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ.