Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والسُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ الأكْثَرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وأنَّها أُنْزِلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، ومُناظَراتُ اليَهُودِ مَعَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَدَنِيَّةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى تِلْكَ المُناظَرَةِ ؟ وأيْضًا لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ دُفْعَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ المُعَيَّنَةُ إنَّما نَزَلَتْ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ ؟ فَهَذِهِ هي السُّؤالاتُ الوارِدَةُ عَلى هَذا القَوْلِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: لَعَلَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ لَمّا تَأذّى مِن هَذا الكَلامِ طَعَنَ في نُبُوَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَسْتَ رَسُولًا مِن قِبَلِ اللَّهِ البَتَّةَ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَقْصُودُ مِنها أنَّكَ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَعِنْدَ هَذا لا يُمْكِنُكَ الإصْرارُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَلَيَّ شَيْئًا لِأنِّي بَشَرٌ ومُوسى بَشَرٌ أيْضًا، فَلَمّا سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ عَلى بَشَرٍ امْتَنَعَ عَلَيْكَ أنْ تَقْطَعَ وتَجْزِمَ بِأنَّهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أنَّ الَّذِي ادَّعاهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُمْتَنِعاتِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلْخَصْمِ اليَهُودِيِّ أنْ يُصِرَّ عَلى إنْكارِهِ، بَلْ أقْصى ما في البابِ أنْ يُطالِبَهُ بِالمُعْجِزِ، فَإنْ أتى بِهِ فَهو المَقْصُودُ، وإلّا فَلا، فَإمّا أنْ يُصِرَّ اليَهُودِيُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ شَيْئًا البَتَّةَ مَعَ أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى، فَذاكَ مَحْضُ الجَهالَةِ والتَّقْلِيدِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ الجَوابُ عَنِ السُّؤالَيْنِ الأوَّلِينَ.