Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ؛ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ دَعَواهُ تَصْدِيقًا لَهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ لَهم مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لَيْسَ في الإمْكانِ خَرْقُ العاداتِ ولا إيجادُ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ.
والمَقامُ الثّانِي: الَّذِينَ يُسَلِّمُونَ إمْكانَ ذَلِكَ. إلّا أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذِهِ الأفْعالِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ لا دَلالَةَ لَها عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ يُوجِبُ القَدْحَ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَهو أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ. وثَبَتَ أنَّ ما يَحْتَمِلُهُ الشَّيْءُ وجَبَ أنْ يَحْتَمِلَهُ مَثَلُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِرْمُ الشَّمْسِ والقَمَرِ قابِلًا لِلتَّمَزُّقِ والتَّفَرُّقِ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ وصْفًا لَهُ بِالعَجْزِ ونُقْصانِ القُدْرَةِ، وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ في حَقِّ هَذا القائِلِ: أنَّهُ ما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا انْشِقاقُ القَمَرِ، ولا حُصُولُ سائِرِ المُعْجِزاتِ.
صفحة ٦١