Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:90
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رَسُولَنا ﷺ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وتَقْرِيرُهُ: هو أنّا بَيَّنّا أنَّ خِصالَ الكَمالِ، وصِفاتَ الشَّرَفِ كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، فَداوُدُ وسُلَيْمانُ كانا مِن أصْحابِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، وأيُّوبُ كانَ مِن أصْحابِ الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ، ويُوسُفُ كانَ مُسْتَجْمِعًا لِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ صاحِبَ الشَّرِيعَةِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، كانُوا أصْحابَ الزُّهْدِ، وإسْماعِيلُ كانَ صاحِبَ الصِّدْقِ، ويُونُسُ صاحِبُ التَّضَرُّعِ، فَثَبَتَ إنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ كانَ خَصْلَةً مُعَيَّنَةً مِن خِصالِ المَدْحِ والشَّرَفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُلَّ أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ بِأسْرِهِمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْمَعَ مِن خِصالِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ كُلَّ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، ولَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَصَّرَ في تَحْصِيلِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَّلَها، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ بِأسْرِهِمْ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أفْضَلُ مِنهم بِكُلِّيَّتِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.