Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:90
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ هَداهم إلى إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ التَّوْحِيدِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيِ اقْتَدِ بِهِمْ في نَفْيِ الشِّرْكِ وإثْباتِ التَّوْحِيدِ وتَحَمُّلِ سَفاهاتِ الجُهّالِ في هَذا البابِ. وقالَ آخَرُونَ: اللَّفْظُ مُطْلَقٌ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ. قالَ القاضِي: يَبْعُدُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُتَقَدِّمِينَ في شَرائِعِهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ شَرائِعَهم مُخْتَلِفَةٌ مُتَناقِضَةٌ فَلا يَصِحُّ مَعَ تَناقُضِها أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في تِلْكَ الأحْكامِ المُتَناقِضَةِ.
وثانِيها: أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلِيلِ دُونَ نَفْسِ العَمَلِ.
صفحة ٥٨
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلِيلُ ثَباتِ شَرْعِهِمْ كانَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ الأوْقاتِ لا في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ، فَكانَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في ذَلِكَ الهُدى هو أنْ يَعْلَمَ وُجُوبَ تِلْكَ الأفْعالِ في تِلْكَ الأوْقاتِ فَقَطْ، وكَيْفَ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى اتِّباعِهِمْ في شَرائِعِهِمْ في كُلِّ الأوْقاتِ ؟
وثالِثُها: أنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُتَّبِعًا لَهم في شَرائِعِهِمْ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَنصِبُهُ أقَلَّ مِن مَنصِبِهِمْ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في شَرائِعِهِمْ.