Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:84-88
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الهِدايَةِ الثَّوابُ العَظِيمُ، وهي الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الهِدايَةَ قالَ بَعْدَها: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الهِدايَةَ كانَتْ جَزاءَ المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، وجَزاءُ المُحْسِنِ عَلى إحْسانِهِ لا يَكُونُ إلّا الثَّوابَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الهِدايَةِ هو الهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ. فَأمّا الإرْشادُ إلى الدِّينِ وتَحْصِيلُ المَعْرِفَةِ في قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ جَزاءً لَهُ عَلى عَمَلِهِ، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الهِدايَةِ هو الهِدايَةُ إلى الدِّينِ والمَعْرِفَةِ، وإنَّما ذَلِكَ كانَ جَزاءً عَلى الإحْسانِ الصّادِرِ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ اجْتَهَدُوا في طَلَبِ الحَقِّ، فاللَّهُ تَعالى جازاهم عَلى حُسْنِ طَلَبِهِمْ بِإيصالِهِمْ إلى الحَقِّ، كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الهِدايَةِ: الإرْشادُ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ المَخْصُوصَةَ بِالأنْبِياءِ لَيْسَتْ إلّا ذَلِكَ.
فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرِّسالَةُ جَزاءً عَلى عَمَلٍ، وذَلِكَ عِنْدَكم باطِلٌ.