Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ إمّا أنْ يَكُونَ صَوابًا أوْ خَطَأً، فَإنْ كانَ صَوابًا فَلِمَ رَدَّهُ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ؟ وإنْ كانَ خَطَأً فَلِمَ قَبِلَهُ في المَرَّةِ الأُولى ؟ ثُمَّ قالَ: وأخْبارُ الآحادِ إذا ورَدَتْ عَلى خِلافِ دَلائِلِ العُقُولِ وجَبَ التَّوَقُّفُ فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الإراءَةَ كانَتْ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ والعَقْلِ، لا بِالبَصَرِ الظّاهِرِ والحِسِّ الظّاهِرِ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِ السَّماءِ، والمُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ لا تُرى، وإنَّما تُعْرَفُ بِالعَقْلِ، وهَذا كَلامٌ قاطِعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفْسُ السَّماواتِ والأرْضِ، إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَضِيعُ لَفْظُ المَلَكُوتِ ولا يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الإراءَةَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] ثُمَّ فَسَّرَها بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] فَجَرى ذِكْرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ كالشَّرْحِ والتَّفْسِيرِ لِتِلْكَ الإراءَةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الإراءَةَ كانَتْ عِبارَةً عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ.