Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هُنا بَحْثًا لا بُدَّ مِنهُ وهو أنَّهُ لا دِينَ أقْدَمُ مِن دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ أقْدَمَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ وصَلَ إلَيْنا تَوارِيخُهم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ هو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو إنَّما جاءَ بِالرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِهِ أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ عَبَدَةِ الأصْنامِ قَدْ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ بَقِيَ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ فَإنَّ أكْثَرَ سُكّانِ أطْرافِ الأرْضِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذا الدِّينِ. والمَذْهَبُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذا الحَجَرَ المَنحُوتَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَ هو الَّذِي خَلَقَنِي وخَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ يَمْتَنِعُ إطْباقُ الخَلْقِ الكَثِيرِ عَلى إنْكارِهِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ دِينُ عَبَدَةِ الأصْنامِ كَوْنَ الصَّنَمِ خالِقًا لِلسَّماءِ والأرْضِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهم فِيهِ تَأْوِيلٌ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا كَثِيرَةً، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا البَحْثَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَهُ هَهُنا تَكْثِيرًا لِلْفَوائِدِ.