Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:71-72
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.