Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:61-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فالمُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها تُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ، والِاسْتِقْراءُ التّامُّ يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ. ألا تَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ مِنهُ فِيهِ أقْوى.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهُ لَمّا كانَ تَكَرُّرُ العَمَلِ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، والعُقَلاءُ ضَرَبُوا لِهَذا البابِ أمْثِلَةً:
صفحة ١٧
المِثالُ الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا سَفِينَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ لَوْ أُلْقِيَ فِيها مِائَةُ ألْفِ مَنٍّ فَإنَّها تَغُوصُ في الماءِ بِقَدْرِ شِبْرٍ واحِدٍ، فَلَوْ لَمْ يُلْقَ فِيها إلّا حَبَّةٌ واحِدَةٌ مِنَ الحِنْطَةِ، فَهَذا القَدْرُ مِن إلْقاءِ الجِسْمِ الثَّقِيلِ في تِلْكَ السَّفِينَةِ يُوجِبُ غَوْصَها في الماءِ بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ، وإنْ قَلَّتْ وبَلَغَتْ في القِلَّةِ إلى حَيْثُ لا يُدْرِكُها الحِسُّ ولا يَضْبُطُها الخَيالُ.