Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:61-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والِاسْمُ الثّانِي: الحَقُّ، واخْتَلَفُوا هَلْ هو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الحَقُّ مَصْدَرٌ، وهو نَقِيضُ الباطِلِ، وأسْماءُ المَصادِرِ لا تَجْرِي عَلى الفاعِلِينِ إلّا مَجازًا كَقَوْلِنا فُلانٌ عَدْلٌ ورَجاءٌ وغِياثٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَقُّ هو المَوْجُودُ، وأحَقُّ الأشْياءِ بِالمَوْجُودِيَّةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ واجِبًا لِذاتِهِ، فَكانَ أحَقَّ الأشْياءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا هو هو، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ الحَقَّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٧] وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ حَكَمَ لِلسَّعِيدِ بِالسَّعادَةِ والشَّقِيِّ بِالشَّقاوَةِ، وإلّا لَما حَصَلَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ، إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ حُكْمٌ، وهو أخْذُ الثَّوابِ، وذَلِكَ يُنافِي ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ.