Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:61-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّالِثُ: النَّفْسُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذا الجَسَدِ. لا شَكَّ في أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ عَنِ الأجْسادِ لَمّا كانَتْ مُساوِيَةً لِهَذِهِ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ المُفارِقَةُ تَمِيلُ إلى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشاكَلَةِ والمُوافَقَةِ، وهي أيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ ما بِهَذا البَدَنِ وتَصِيرُ مُعاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلى مُقْتَضَياتِ طَبِيعَتِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلاسِفَةِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْها؛ لِأنَّ كُلَّهم قَدْ أقَرُّوا بِما يَقْرُبُ مِنهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إصْرارُ الجُهّالِ مِنهم عَلى التَّكْذِيبِ باطِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَهَذانَ النَّصّانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ تَوَفِّيَ الأرْواحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَفاةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن مَلَكِ المَوْتِ. ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلاثَةُ كالمُتَناقِضَةِ.