Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:61-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ، والبَدَنُ يَصِيرُ آلَةً لِلرُّوحِ في تَحْصِيلِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ، والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا الِاجْتِماعُ وهَذا الِانْتِفاعُ لَيْسَ إلّا بِقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الطَّبائِعِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فَعِنْدَ دُخُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ أعْطى الرُّوحَ قُدْرَةً عَلى فِعْلِ الضِّدَّيْنِ، ومُكْنَةً مِنَ الطَّرَفَيْنِ إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُجْحانُ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ تارَةً والتَّرْكِ عَلى الفِعْلِ أُخْرى إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارِضِ. فَلَمّا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ امْتَنَعَ الفِعْلُ والتَّرْكُ، فَكانَ إقْدامُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ تارَةً وعَلى التَّرْكِ أُخْرى بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ مِنَ اللَّهِ يَجْرِي مَجْرى القَهْرِ، فَكانَ قاهِرًا لِعِبادِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأبْوابَ عَلِمْتَ أنَّ المُمْكِناتِ والمُبْدِعاتِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والذَّواتِ والصِّفاتِ كُلَّها مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ اللَّهِ مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
* * *