Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:61-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.