Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُنِيمُكم فَيَتَوَفّى أنْفُسَكُمُ الَّتِي بِها تَقْدِرُونَ عَلى الإدْراكِ والتَّمْيِيزِ كَما قالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ﴾ [الزمر: ٤٢]، فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالنَّوْمِ كَما يَقْبِضُها بِالمَوْتِ، وهَهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّ النّائِمَ لا شَكَّ أنَّهُ حَيٌّ، ومَتى كانَ حَيًّا لَمْ تَكُنْ رُوحُهُ مَقْبُوضَةً البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَوَفّاهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن تَأْوِيلٍ وهو أنَّ حالَ النَّوْمِ تَغُورُ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ مِنَ الظّاهِرِ في الباطِنِ فَصارَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عَنْ أعْمالِها، فَعِنْدَ النَّوْمِ صارَ ظاهِرُ الجَسَدِ مُعَطَّلًا عَنْ بَعْضِ الأعْمالِ، وعِنْدَ المَوْتِ صارَتْ جُمْلَةُ البَدَنِ مُعَطَّلَةً عَنْ كُلِّ الأعْمالِ، فَحَصَلَ بَيْنَ النَّوْمِ وبَيْنَ المَوْتِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ الوَفاةِ والمَوْتِ عَلى النَّوْمِ مِن هَذا الوَجْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ يُرِيدُ ما كَسَبْتُمْ مِنَ العَمَلِ بِالنَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ والمُرادُ مِنها الكَواسِبُ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ واحِدَتُها جارِحَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [ الجاثِيَةِ: ٢١] أيِ اكْتَسَبُوا. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ أعْمالُ الجَوارِحِ.