Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٠
مَخْفِيًّا فِيها، فَإذا سَمِعَ أنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ المُلْقاةَ في ظُلُماتِ الأرْضِ عَلى اتِّساعِها وعَظَمَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، صارَتْ هَذِهِ الأمْثِلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى عَظَمَةٍ عَظِيمَةٍ وجَلالَةٍ عالِيَةٍ مِنَ المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ بِحَيْثُ تَتَحَيَّرُ العُقُولُ فِيها وتَتَقاصَرُ الأفْكارُ والألْبابُ عَنِ الوُصُولِ إلى مَبادِيها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَوّى أمْرَ ذَلِكَ المَعْقُولِ المَحْضِ المُجَرَّدِ بِذِكْرِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ المَحْسُوسَةِ فَبَعْدَ ذِكْرِها عادَ إلى ذِكْرِ تِلْكَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ المُجَرَّدَةِ بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو عَيْنُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ فَهَذا ما عَقَلْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ. ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى فاعِلُ العالَمِ بِجَواهِرِهِ وأعْراضِهِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِها فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِها والحُكَماءُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، والعِلْمُ بِالمَبْدَأِ يُوجِبُ العِلْمَ بِالأثَرِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّها: