Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ البَرِّ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ شاهَدَ أحْوالَ البَرِّ، وكَثْرَةَ ما فِيهِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ، وكَثْرَةَ ما فِيها مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ. وأمّا البَحْرُ فَإحاطَةُ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ إلّا أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَ البِحارِ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ، وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ، وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ. فَإذا اسْتَحْضَرَ الخَيالُ صُورَةَ البَحْرِ والبَرِّ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ عَرَفَ أنَّ مَجْمُوعَها قِسْمٌ حَقِيرٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ فَيَصِيرُ هَذا المِثالُ المَحْسُوسُ مُقَوِّيًا ومُكَمِّلًا لِلْعَظَمَةِ الحاصِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَما كَشَفَ عَنْ عَظَمَةِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بِذِكْرِ البَرِّ والبَحْرِ كَشَفَ عَنْ عَظَمَةِ البَرِّ والبَحْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ يَسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما في وجْهِ الأرْضِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ كَمْ فِيها مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُ ورَقَةٍ إلّا والحَقُّ سُبْحانَهُ يَعْلَمُها، ثُمَّ يَتَجاوَزُ مِن هَذا المِثالِ إلى مِثالٍ آخَرٍ أشَدَّ هَيْئَةً مِنهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّةَ في غايَةِ الصِّغَرِ وظُلُماتُ الأرْضِ مَوْضِعٌ يَبْقى أكْبَرُ الأجْسامِ وأعْظَمُها