Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:56-58
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.