Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:42-43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.
قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.