Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: رُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا ؟ فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ ؟ ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ القَوْمَ لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِألْسِنَتِهِمْ وظاهِرِ قَوْلِهِمْ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّهم لا يَقُولُونَ إنَّكَ أنْتَ كَذّابٌ؛ لِأنَّهم جَرَّبُوكَ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ والزَّمانَ المَدِيدَ وما وجَدُوا مِنكَ كَذِبًا البَتَّةَ، وسَمَّوْكَ بِالأمِينِ، فَلا يَقُولُونَ فِيكَ إنَّكَ كاذِبٌ ولَكِنْ جَحَدُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ ورِسالَتِكَ، إمّا لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا عَرَضَ لَهُ نَوْعُ خَبَلٍ ونُقْصانٍ، فَلِأجْلِهِ تَخَيَّلَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ أوْ لِأنَّهم قالُوا: إنَّهُ ما كَذَبَ في سائِرِ الأُمُورِ، بَلْ هو أمِينٌ في كُلِّها إلّا في هَذا الوَجْهِ الواحِدِ.