Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ مَعْنى التَّفْعِيلِ النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، كَما تَقُولُ: ذَنَّبْتُهُ وفَسَّقْتُهُ وخَطَّأْتُهُ، أيْ قُلْتُ لَهُ: فَعَلْتَ هَذِهِ الأشْياءَ، وسَقَّيْتُهُ ورَعَّيْتُهُ أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ ورَعاكَ، وقَدْ جاءَ في هَذا المَعْنى أفَعَلْتُهُ، قالُوا: أسْقَيْتُهُ. أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
صفحة ١٦٩
وأسْقَيْتُهُ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
أيْ أنْسُبُهُ إلى السُّقْيا بِأنْ أقُولَ: سَقاكَ اللَّهُ. فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا، إلّا أنَّ فَعَّلْتُ إذا أرادُوا أنْ يَنْسُبُوهُ إلى أمْرٍ أكْثَرُ مِن أفْعَلْتُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في السِّرِّ ولَكِنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في العَلانِيَةِ ويَجْحَدُونَ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ. ثُمَّ ذَكَرُوا لِتَصْحِيحِ هَذا الوَجْهِ رِواياتٍ:
إحْداها: أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما كَذَبْتَنا قَطُّ ولَكِنّا إنِ اتَّبَعْناكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِكَ لِهَذا السَّبَبِ.