Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، وهو أنْ نَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ تَشارَكا في الفَضْلِ والمَنقَبَةِ، إلّا أنَّ الوُصُولَ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ القِيامَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا. وأمّا الوُصُولُ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ ولا مَظْنُونٍ، فَكَمْ مِن سُلْطانٍ قاهِرٍ في بُكْرَةِ اليَوْمَ صارَ تَحْتَ التُّرابِ في آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وكَمْ مِن أمِيرٍ كَبِيرٍ أصْبَحَ في المُلْكِ والإمارَةِ، ثُمَّ أمْسى أسِيرًا حَقِيرًا، وهَذا التَّفاوُتُ أيْضًا يُوجِبُ المُبايَنَةَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ وجَدَ الإنْسانُ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ يَوْمًا آخَرَ في الدُّنْيا، إلّا أنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يُمْكِنُهُ الِانْتِفاعُ بِما جَمَعَهُ مِنَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ أمْ لا ؟ أمّا كُلُّ ما جَمَعَهُ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها إلّا أنَّ انْتِفاعَهُ بِخَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ خالِيًا عَنْ شَوائِبِ المَكْرُوهاتِ، ومُمازَجَةِ المُحَرَّماتِ المُخَوَّفاتِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ. فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمامِهِ» “ .