cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:32

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

الَّذِي وقَّفَ كُلَّ عُمْرِهِ عَلى الأكْلِ والوِقاعِ أشْرَفَ النّاسِ، وأعْلاهم دَرَجَةً، ومَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ مَمْقُوتًا مُسْتَقْذَرًا مُسْتَحْقَرًا يُوصَفُ بِأنَّهُ بَهِيمَةٌ أوْ كَلْبٌ أوْ أخَسُّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النّاسَ لا يَفْتَخِرُونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ بَلْ يُخْفُونَها، ولِذَلِكَ كانَ العُقَلاءُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالوِقاعِ يَخْتَفُونَ ولا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ بِمَحْضَرٍ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ لا تُوجِبُ الشَّرَفَ بَلِ النَّقْصَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ النّاسَ إذا شَتَمَ بَعْضُهم بَعْضًا لا يَذْكُرُونَ فِيهِ إلّا الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى الوِقاعِ، ولَوْلا أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ مِن جِنْسِ النُّقْصاناتِ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ تَرْجِعُ حَقِيقَتُها إلى دَفْعِ الآلامِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ أشَدَّ جُوعًا وأقْوى حاجَةً كانَ التِذاذُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أكْمَلَ لَهُ وأقْوى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ في نَفْسِ الأمْرِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ خَساسَةُ هَذِهِ اللَّذّاتِ. وأمّا السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها سَعاداتٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ باقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في الإنْسانِ كَثْرَةَ العِلْمِ وشِدَّةَ الِانْقِباضِ عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَإنَّهم بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عَبِيدًا لِذَلِكَ الإنْسانِ وأشْقِياءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَهادَةِ الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ بِخَساسَةِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.