Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُنازِعُ في كَوْنِهِ تَعالى ذاتًا مَوْجُودًا وحَقِيقَةً إلّا أنَّهُ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ تَعالى بِكَوْنِهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ هَذا خِلافًا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالشَّيْءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: أيُّ الأشْياءِ أكْبَرُ شَهادَةً. ثُمَّ ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ قَوْلَهُ: (قُلِ اللَّهُ) وهَذا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى شَيْئًا، كَما أنَّهُ لَوْ قالَ: أيُّ النّاسِ أصْدَقُ، فَلَوْ قِيلَ: جِبْرِيلُ، كانَ هَذا الجَوابُ خَطَأً؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مِنَ النّاسِ فَكَذا هَهُنا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ كَلامٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وهو جُمْلَةٌ تامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها لا تَعَلُّقُ لَها بِما قَبْلَها.
قُلْنا: الجَوابُ في وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ لا شَكَّ أنَّهُ سُؤالٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن جَوابٍ: إمّا مَذْكُورٍ، وإمّا مَحْذُوفٍ.
فَإنْ قُلْنا: الجَوابُ مَحْذُوفٌ فَنَقُولُ: هَذا عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا يَدُلُّ المَذْكُورُ عَلَيْهِ ويَكُونَ لائِقًا بِذَلِكَ المَوْضِعِ.