Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والخامِسُ: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالَّذِي يَكُونُ فَوْقَ رُءُوسِ أهْلِ الرَّيِّ يَكُونُ تَحْتَ أقْدامِ قَوْمٍ آخَرِينَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَوْقَ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ. أوْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَوْقَ الكُلِّ. والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ كَوْنَهُ فَوْقًا لِبَعْضِهِمْ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَحْتًا لِآخَرِينَ، وذَلِكَ باطِلٌ، والثّانِي يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُحِيطًا بِكُرَةِ الفَلَكِ، فَيَصِيرُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو فَلَكٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأفْلاكِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ.
والسّادِسُ: هو أنَّ لَفْظَ الفَوْقِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْبُوقٌ بِلَفْظٍ ومَلْحُوقٌ بِلَفْظٍ آخَرَ. أمّا أنَّها مَسْبُوقَةٌ فَلِأنَّها مَسْبُوقَةٌ بِلَفْظِ القاهِرِ،
صفحة ١٤٥
والقاهِرُ مُشْعِرٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ وتَمامِ المُكْنَةِ. وأمّا أنَّها مَلْحُوقَةٌ بِلَفْظٍ فَلِأنَّها مَلْحُوقَةٌ بِقَوْلِهِ: (عِبادِهِ) وهَذا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِالمَمْلُوكِيَّةِ والمَقْدُورِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ تِلْكَ الفَوْقِيَّةِ عَلى فَوْقِيَّةِ القُدْرَةِ لا عَلى فَوْقِيَّةِ الجِهَةِ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى الضِّدِّ مِن قَوْلِكم، إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ دَلَّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ. فَلَوْ حَمَلْنا لَفْظَ الفَوْقِ عَلى فَوْقِيَّةِ القُدْرَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى فَوْقِيَّةِ المَكانِ والجِهَةِ.