Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو إنَّما حَصَلَ بِإيجادِ الحَقِّ وتَكْوِينِهِ فَثَبَتَ أنَّ انْدِفاعَ جَمِيعِ المَضارِّ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ، وحُصُولَ جَمِيعِ الخَيِّراتِ والمَنافِعِ لا يَكُونُ إلّا بِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ البَيِّنِ صِحَّةُ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ نَرى أنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ المَضارَّ عَنْ نَفْسِهِ بِمالِهِ وبِأعْوانِهِ وأنْصارِهِ، وقَدْ يَحْصُلُ الخَيْرُ لَهُ بِكَسْبِ نَفْسِهِ وبِإعانَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في عُمُومِ الآيَةِ. وأيْضًا فَرَأْسُ المَضارِّ هو الكُفْرُ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى. ورَأْسُ الخَيْراتِ هو الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الإنْسانُ بِفِعْلِ الكُفْرِ عِقابًا ولا بِفِعْلِ الإيمانِ ثَوابًا. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ يَنْتَفِعُ بِأكْلِ الدَّواءِ ويَتَضَرَّرُ بِتَناوُلِ السُّمُومِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في ظاهِرِ الآيَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ فَإنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ إذا دَعاهُ الدّاعِي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤالاتِ.