Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أرْدَفَهُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْضَ مِن نَفْسِهِ بِأنْ لا يُنْعِمَ ولا بُدَّ أنْ يَعِدَ بِالإنْعامِ، بَلْ أبَدًا يُنْعِمُ وأبَدًا يُعِدُ في المُسْتَقْبَلِ بِالإنْعامِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ وأوْجَبَهُ إيجابَ الفَضْلِ والكَرَمِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ فَقالَ بَعْضُهم: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هي أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ ويَرْفَعُ عَنْهم عَذابَ الِاسْتِئْصالَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِمَن تَرَكَ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ وتابَ وأنابَ وصَدَّقَهم وقَبِلَ شَرِيعَتَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ جاءَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ كَتَبَ كِتابًا أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» “ .
فَإنْ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي إرادَةُ الخَيْرِ، والغَضَبُ هو إرادَةُ الِانْتِقامِ، وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي كَوْنَ إحْدى الإرادَتَيْنِ سابِقَةً عَلى الأُخْرى، والمَسْبُوقُ بِالغَيْرِ مُحْدَثٌ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةً.