Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: ظُهُورُ الكِتابِ ونُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ هَلْ هو مِن بابِ المُعْجِزاتِ أمْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ المُعْجِزاتِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم لِدَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ مُنْكَرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَبْلَ الإيمانِ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ لَمْ تَكُنْ عِصْمَةُ المَلائِكَةِ مَعْلُومَةً، وقَبْلَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ، لا شَكَّ أنّا نُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ ذَلِكَ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ مِن قِبَلِ بَعْضِ الجِنِّ والشَّياطِينِ، أوْ مِن قِبَلِ بَعْضِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهم، وإذا كانَ هَذا التَّجْوِيزُ قائِمًا فَقَدْ خَرَجَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ.
قُلْنا: لَيْسَ المَقْصُودُ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم إذا رَأوْهُ بَقُوا شاكِّينَ فِيهِ، وقالُوا: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، فَإذا لَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ فَقَدْ يَقْوى الإدْراكُ البَصْرِيُّ بِالإدْراكِ اللَّمْسِيِّ، وبَلَغَ الغايَةَ في الظُّهُورِ والقُوَّةِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَبْقُونَ شاكِّينَ في أنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَأوْهُ ولَمَسُوهُ هَلْ هو مَوْجُودٌ أمْ لا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى حَدِّ السَّفْسَطَةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ لا ما ذَكَرْتُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.