Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرُونَ الماضِيَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا ونَحْوَهُ في أرْضٍ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧]، وأمّا مَكَّنْتُهُ في الأرْضِ، فَمَعْناهُ أثْبَتُّهُ فِيها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ولِتَقارُبِ المَعْنَيَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ مِثْلَ ما أعْطَيْنا عادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والسَّعَةِ في الأمْوالِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ الغَيْثَ والمَطَرَ، فالسَّماءُ مَعْناهُ المَطَرُ هَهُنا، والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرِّ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَّ اللَّبَنُ إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ مِنهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فالمِدْرارُ يَصْلُحُ أنْ
صفحة ١٣٢
يَكُونَ مِن نَعْتِ السَّحابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ المَطَرِ يُقالُ: سَحابٌ مِدْرارٌ إذا تَتابَعَ أمْطارُهُ، ومِفْعالٌ يَجِيءُ في نَعْتٍ يُرادُ المُبالَغَةُ فِيهِ، قالَ مُقاتِلٌ: (مِدْرارًا) مُتَتابِعًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ويَسْتَوِي في المِدْرارِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.